يُفترض أن خفض أسعار الفائدة يُسهم في تحفيز الاستثمار والاستهلاك، ويؤدي إلى استقرار الأسعار أو حتى تراجعها، وهي قاعدة اقتصادية تقليدية معروفة بين خبراء الاقتصاد. فالخفض عادةً ما يُفترض أن يعزز نمو المشروعات الاستثمارية، سواء كانت محلية أو أجنبية، ويحفّز الحركة الاقتصادية بشكل عام.
لكن في الآونة الأخيرة، أصبح خفض الفائدة، أو حتى ثباتها أو ارتفاعها، غير مؤثر بشكل ملموس على المستهلك أو المواطن العادي، فالنظرية الاقتصادية التقليدية التي ترى أن خفض أسعار الفائدة يؤدي إلى تراجع الأسعار وإعادة هيكلة الأسواق لا تنطبق دائمًا على الواقع، خاصة في الاقتصاديات الناشئة.
خفض الفائدة وانخفاض الأسعار
التجربة العملية أظهرت أن خفض الفائدة لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الأسعار، بل يمكن أن تستمر الأسعار في الصعود دون أن يشعر المواطن بأي تأثير إيجابي مباشر من خفض تكلفة الاقتراض، وهذا يعكس أن التضخم في كثير من الحالات لا يكون فقط نتيجة تكاليف التمويل، بل مرتبطًا بعوامل هيكلية مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج، ضعف البنية التحتية، وتقلبات أسعار المواد الأساسية والطاقة.
انخفاض الفائدة والتضخم مع ارتفاع الأسعار !
التضخم يعد من الأسباب الرئيسية وراء فشل خفض الفائدة في خفض الأسعار، ففي كثير من الحالات لا يكون التضخم نتيجة زيادة الطلب فقط، بل يرتبط بعوامل هيكلية مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج، واضطرابات سلاسل الإمداد، وزيادة أسعار المواد الخام والطاقة، وأسعار الوقود ارتفعت بنسبة 15% سنويًا، مما يرفع تكلفة النقل والتوزيع، وبالتالي يزيد أسعار السلع الأساسية، بغض النظر عن انخفاض تكلفة الاقتراض في مثل هذه الظروف.
ومن خلال هذه النظرية العلمية الواقعية، فإن خفض الفائدة يصبح أداة محدودة التأثير على الأسعار، إذ لا يعالج المشكلة الحقيقية للتضخم، بل يمثل قرارًا وقتيًا قد يفيد بشكل محدود أصحاب الاستثمار الذين يسعون إلى الاقتراض.
ومع ذلك، تبقى المشكلة الأهم كما هي: الأسعار تلتهم دخول المواطنين، والأسواق تُشعل الضغوط الاقتصادية على الأفراد.
تأثير سعر الصرف على الأسعار
تلعب أسعار الصرف دورًا محوريًا في هذه المعادلة، حيث تعتمد كثير من الاقتصادات بشكل كبير على الواردات، ما يؤدي إلى ضعف العملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع المستوردة.
ومثال بسيط على ذلك: إذا انخفضت قيمة العملة المحلية بنسبة 5% أمام الدولار، ترتفع تكلفة الواردات مباشرة تقريبًا بنفس النسبة، ما ينعكس على الأسعار النهائية للمستهلكين. وبهذا، يمكن أن يظل التضخم مرتفعًا رغم خفض الفائدة بنسبة تصل إلى 3–5 نقاط مئوية، كما أظهرت بيانات عدة دول ناشئة خلال السنوات الأخيرة.
ما هو الدخل الحقيقي؟
الدخل الحقيقي للأفراد يعد من العوامل المهمة، فحتى مع انخفاض الفائدة، لن يزيد المستهلكون إنفاقهم إذا تآكلت قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الأسر ذات الدخل المتوسط في الاقتصاديات الناشئة تخصص من 40٪ إلى 60٪ من دخلها للإنفاق على الغذاء والطاقة، ما يقلل قدرتها على زيادة الاستهلاك الكلي. من جانب آخر، تلعب “التوقعات التضخمية” دورًا حاسمًا، إذ إذا توقع المستهلكون استمرار ارتفاع الأسعار، يميلون إلى شراء السلع فورًا، بينما يقوم بعض التجار برفع الأسعار تحوطًا للمستقبل، ما يحافظ على الضغوط التضخمية المتوقعة رغم تراجع تكلفة الاقتراض.
الاستثمار وخفض الفائدة
أما الاستثمار وخفض الفائدة، فمن المعروف علميًا ونظريًا أن انخفاض أسعار الفائدة يُسهم في تحفيز الاستثمار وفتح آفاق جديدة أمام المستثمرين المحليين والأجانب، لكن تكلفة التمويل المنخفضة وحدها لا تكفي لدفع التوسع في بيئة اقتصادية غير مستقرة، إذ تظل توقعات الطلب محددًا رئيسيًا، وفي كثير من الدول، بقي معدل استغلال الطاقة الإنتاجية دون 70٪، ما يقلل من حافز ضخ استثمارات جديدة.
وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الاستثمار الرأسمالي يبدأ في الارتفاع الحقيقي فقط عندما يتجاوز معدل استغلال الطاقة الإنتاجية 80٪، وهو ما لم يتحقق في كثير من الحالات رغم التيسير النقدي.
من المستفاد من خفض الفائدة؟
على الرغم من أن خفض أسعار الفائدة يُفترض أن يحفز الأسواق، إلا أن تأثيره غالبًا يكون محدودًا ومركزًا لدى فئات محددة من السكان، خصوصًا أصحاب الدخل المرتفع. هؤلاء الأفراد، الذين يمتلكون معظم المدخرات المالية، يستفيدون مباشرة من انخفاض تكلفة الاقتراض، ما يتيح لهم ضخ سيولة في السوق سواء عن طريق شراء الذهب، أو العقارات، أو حتى استثمارات صغيرة للحفاظ على قيمة أصولهم، حيث إن التدفق النقدي قد يدعم السوق بشكل طفيف، لكنه لا يترجم إلى زيادة استهلاك واسعة النطاق.
بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن أعلى 20% من السكان يمتلكون أكثر من 60% من المدخرات المالية في الاقتصادات الناشئة، ما يعزز فكرة أن خفض الفائدة يتركز أثره في هذه الشريحة فقط.
خفض الفائدة ليس أداة قوية
لذلك، لا يُمكن اعتبار خفض الفائدة أداة قوية أو كافية لمكافحة التضخم أو تحفيز النمو الاقتصادي المستدام، فالتضخم الحالي لا يُعزى إلى السيولة النقدية وحدها، بل يعكس اختلالات هيكلية وضعف المنافسة، إضافة إلى الاعتماد الكبير على الواردات.
