في ظل الأرقام الصارمة ورداء التحليلات العميقة، يبرز تساؤل جوهري يؤرق أروقة المؤسسات المالية الكبرى: هل انتهى عصر “المال السهل” الذي شكل ملامح حياتنا الاقتصادية منذ عقود؟ لا أجزمُ بأن ما نعيشه مجرد تقلبات سوقية معتادة، بل إننا نشهد في الوقت الحالي زلزالاً صامتاً في القشرة الأرضية للنظام المالي العالمي؛ حيث بدأت الرمال تتحرك من تحت أقدام النماذج الاقتصادية التي بدت لنا يوماً ثوابت لا تتزعزع.
لقد عاش العالم منذ الأزمة المالية التي تفاقمت في عام 2008 ظلال “فقاعة سيولة مهولة” تشكلت تحت رعاية البنوك المركزية، وضخَّ خلالها الفيدرالي الأمريكي والبنك الأوروبي المركزي وبنك اليابان ما يتخطى 25 تريليون دولار في الأسواق عبر برامج التيسير الكمي. هذه السيولة الضخمة جعلت تكلفة الاقتراض تقترب من الصفر، مما دفع الشركات والحكومات إلى التوسع بناءً على ديون رخيصة بدلاً من الكفاءة التشغيلية الحقيقية.
ومع وصول أسعار الفائدة في الولايات المتحدة آنذاك إلى نطاق يتراوح ما بين 5.25% و5.50%، انهار النموذج فجأة، واستفاق العالم على حقيقة أن للمال ثمناً عقيماً، وأن زمن الائتمان بلا حساب كان مجرد “سراب سيولة” ذهب بلا رجعة.
يُعزى هذا التحول إلى اجتماع قوى هيكلية غير مسبوقة، إذ يرى البعض أن التضخم ليس مجرد زوبعة عابرة، بل هو “تضخم بنيوي” يتغذى على التحولات الديموغرافية القاسية التي تعاني منها القوى العاملة في أقطاب الصناعة كالصين وألمانيا؛ حيث يتوقع الخبراء أن يصل العجز في ألمانيا وحدها إلى 7 ملايين عامل بقدوم عام 2035.
وعلاوة على ذلك، تبرز فاتورة “التحول الأخضر” التي تقدرها تقارير “ماكينزي” بنحو 9.2 تريليون دولار سنوياً حتى عام 2050، مما يجعل حلم العودة إلى معدلات تضخم عند مستوى 2% أمراً مستبعداً، إن لم يكن مستحيلاً، في المدى المنظور.
وعلى الصعيد العالمي، تجاوزت أرقام الدين عتبة الانتظار لتصل إلى 315 تريليون دولار، أي ما يعادل 330% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي ظل أسعار الفائدة الجارية، تحولت هذه الديون إلى كابوس يطارد الميزانيات السيادية؛ فعند مراقبة سوق الولايات المتحدة، نجد أن تكلفة فوائد الدين السنوية قد تجاوزت تريليون دولار، مما يضع صانعي السياسة النقدية أمام “مقصلة” اقتصادية: فإما الاستمرار في تشديد السياسة لمحاربة التضخم والمخاطرة بانهيارات مالية حكومية، أو خفضها لإنقاذ الميزانيات والمخاطرة بانفلات تضخمي يدمر القوة الشرائية للشعوب.
في نهاية المطاف، نحن أمام عملية “إعادة ضبط مصنعي” للنظام الرأسمالي؛ حيث لم يعد “النمو بأي ثمن” هو الشعار المقبول. المستثمر الذكي اليوم لم يعد يطارد الشركات التي تقتات على وعود أرباح مستقبلية وهمية، بل بات يبحث عن “القلاع المالية” ذات التدفقات النقدية الحرة والديون المنخفضة، حيث إننا ننتقل من عصر الوفرة الوهمية إلى عصر الندرة الحقيقية، حيث لن تصمد إلا النماذج الاقتصادية الصلبة التي تستطيع توليد القيمة في بيئة تتسم بتكلفة عالية لرأس المال.
لقد عاد الاقتصاد اليوم إلى جذوره الأصيلة كعلم لإدارة الموارد المحدودة، تاركاً وراءه حقبة طبع الأوراق بلا غطاء.
